حين يختلط تعريف العدو في الخطاب اللبناني

2026-01-26 19:20
مريم سلامة
109 مشاهدة
1 دقائق قراءة
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأوطان، تُختبر وضوح الرؤية وصلابة الموقف. ولبنان اليوم يقف عند واحدة من أكثر لحظاته دقة، في ظل تصعيد عسكري مستمر على حدوده الجنوبية، وعدوان إسرائيلي لا ينقطع، فيما ينشغل الداخل اللبناني بجدل حاد حول إعادة تعريف “العدو” وترتيب الأولويات الوطنية.

هذا الجدل، الذي يتغذّى على خطابات سياسية وإعلامية متوترة، لا يعكس فقط تباينًا في الآراء، بل يكشف أزمة أعمق تمسّ جوهر الوعي الوطني، وقدرة اللبنانيين على التمييز بين الخلاف الداخلي المشروع، والمشروع السياسي الممنهج الذي يعمل على تشتيت البوصلة في لحظة يفترض أن تكون جامعة لا مفرّقة.

الأخطر في هذا المشهد، هو الخطاب الذي يذهب إلى مساواة فئة من اللبنانيين بالعدو التاريخي للبنان، بل ويقدّمها أحيانًا عليه. فكيف يمكن وضع مواطنين لبنانيين، مهما بلغت حدة الاختلاف معهم، في الميزان نفسه مع كيان احتلالي لا يزال يعتدي على الأرض والسيادة ويقصف القرى ويقتل المدنيين؟ وكيف يُعقل تحويل الخلاف السياسي الداخلي إلى معركة وجود، تُستخدم فيها مفردات “العدو” و”الخطر” بحق أبناء الوطن الواحد؟

تلك الفئة التي تُستهدف اليوم بالتحريض السياسي والإعلامي، هي نفسها التي لم تجد يومًا حماية فعلية من الدولة اللبنانية رغم الوعود المتكررة، وقدّمت أبناءها وأرزاقها دفاعًا عن هذا الوطن في مواجهة عدو لا يعترف بقوانين ولا يعرف معنى الرحمة. ومع ذلك، تُحمَّل وحدها مسؤولية أزمات لبنان المتراكمة، ويُدعى إلى إضعافها أو استسلامها، تحت شعارات ظاهرها البحث عن “الاستقرار” و”التعب”، فيما يُغفل السؤال الجوهري: أي استقرار يمكن تحقيقه ولبنان يواجه عدوًا يستبيح أرضه ودماء أبنائه يوميًا؟

ويزداد المشهد التباسًا حين ينقلب ميزان المحاسبة. فبدل مساءلة من يغذّون الانقسام الداخلي، ويحرّضون على الكراهية، ويؤججون الصراعات بين اللبنانيين، تُوجَّه سهام الاتهام إلى الأصوات التي تطالب الدولة بتحمّل مسؤولياتها الدستورية في حماية السيادة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. هكذا، يتحوّل الدفاع عن الوطن إلى تهمة، فيما يمرّ خطاب التحريض دون أي مساءلة تُذكر.

غير أن التجربة اللبنانية، بكل محطاتها القاسية، تثبت أن الاستقرار لا يُبنى على الانقسام، ولا على شيطنة الداخل، بل على إدارة الخلاف بعقلانية، خصوصًا عندما يكون العدو هو إسرائيل، التي لم تكن يومًا عامل طمأنينة للبنان، بل مصدرًا دائمًا للتهديد وعدم الاستقرار. كما أن الرهان على إضعاف الموقف الداخلي لم يؤدِّ في أي مرحلة إلا إلى مزيد من الخسائر الوطنية.

خلاصة القول، إن لحظات الخطر الكبرى تفضح خطورة الخلط في تسمية العدو وتحديده. ففيما يقف الخطر الحقيقي على الحدود، يتسلل خطر لا يقل فداحة إلى الوعي الوطني نفسه. إن تحويل الداخل اللبناني إلى ساحة صراع وجودي، ومساواة مكوّناته بعدو خارجي، لا يحمي لبنان ولا يصون استقراره، بل يفتح الباب واسعًا أمام مزيد من التفكك والانقسام.

وفي نهاية المطاف، لا رابح من هذا المسار سوى إسرائيل، التي تجد في هذا التشتت الداخلي خدمة مجانية لعدوانها، وفرصة دائمة لإضعاف لبنان من الداخل قبل أي مواجهة على الحدود.
-الرئيسية- ٢٦/١/٢٠٢٦

لمتابعة المزيد من الأخبار يمكنكم الاشتراك بقناتنا على الواتساب: Whatsapp Channel

يوتيوب: youtube.com/4

تلغرام: Telegram

شارك المقال

الرئيسية الرئيسية أخبار

اترك تعليقك

التعليقات

F
Fatima Hammoud
2026-01-27 14:38

متألقة دائماً

ف
فاطمة
2026-01-26 20:16

فنانة يا شريك❤️‍🩹❤️‍🩹❤️‍🩹